كانت مريم تسير تحت ضوء عمود الشارع الباهت، المطر ينهمر خفيفاً، والليل يلف المدينة بردائه الرمادي. خطواتها تتردد في الفراغ، متجهة إلى سيارتها بعد مناوبة مرهقة في المستشفى. سمعت أنيناً خافتاً. التفتت بسرعة، حدقت في الظلام، ورأت ظلاً يسقط أرضاً قرب الأشجار.

ركضت دون تفكير، غريزتها الطبية تسبق عقلها. وجدته ممدداً على الأرض، جسده ملطخ بالدماء، وجهه مغطى بالجروح والطين، ملابسه ممزقة كأنه خرج من معركة قاسية. انحنت فوقه، وضعت يدها على رقبته تتحسس نبضه. كان ضعيفاً لكنه موجود.
همس بصوت متقطع: “لا تقتربي… سيجدونني”. لكنها لم تستمع. قالت له بثبات: “أنا ممرضة، لن أتركك تموت هنا”.
حاول رفع يده ليمنعها لكنه لم يستطع. قوته تتلاشى أمام الألم والإنهاك. حملته بصعوبة وأدخلته سيارتها. لم تفكر في الاتصال بالشرطة، لم تشعر بالخطر.
كل ما شعرت به هو غريزة إنقاذ غامرة، وشيء آخر دفين… إحساس أنها تعرف هذا الألم، هذا الانكسار. وصلت إلى منزلها الريفي الصغير، بيت واسع منعزل يطل على الغابة. المكان الذي اختارت أن تهرب إليه من ذكريات المدينة.
حملته إلى الداخل ووضعت جسده على السرير. أضواء الغرفة الخافتة كشفت وجهه بوضوح لأول مرة. تجمدت للحظة. كانت ملامحه مألوفة بشكل غريب.
شيء في عينيه، في منحنى فكه، في طريقة تنفسه. قلبها ارتجف دون تفسير، لكنها هزت رأسها وأبعدت الفكرة. ربما مجرد تشابه. ليس من السهل أن يعود شخص اختفى هكذا، خاصة بعد خمس سنوات من الألم والصمت.
بدأت تنظف جروحه بهدوء. مع كل لمسة كانت تشعر بشيء غريب، إحساس ليس له اسم. جسده يحمل آثار ضرب مبرح، كدمات قديمة وجديدة، وجرح عميق في كتفه كأنه أصيب برصاصة أو سلاح حاد. وضعت له الضمادات، حقنت مهدئاً خفيفاً في وريده، ثم غطته بلحاف دافئ.
كان يتنفس بشكل غير منتظم لكن حياته لم تعد مهددة. جلست بجواره تتأمله، تتساءل من يكون ومن ذا الذي يطارده. التعب ابتلع أسئلتها وأغمضت عينيها للحظات. استيقظ فجأة وهو يلهث.
فتح عينيه، حدق بها كأنه يتذكر شيئاً، ثم قال بصوت مبحوح: “لماذا… لماذا ساعدتني؟”
أجابته بهدوء: “لأنني لا أترك أحداً يموت أمامي. ولأنني شعرت أنني أعرفك بطريقة ما”. ارتمت ملامحه لثانية.
حاول أن يقف لكن الألم أوقعه. تمتم: “يجب أن أغادر… لا يجب أن أكون هنا”. وضعت يدها على كتفه بحزم: “أنت في حالة سيئة، لن تذهب إلى أي مكان”.
نظر إليها للحظة، عيناه تحمل خوفاً وامتناناً وحزناً عميقاً. ثم أغماهما واستسلم للدواء. لكنها لم تستطع التوقف عن النظر إليه. كل لحظة كانت تكشف ملامح مألوفة أكثر.
أنفاسه، نبرة صوته، حتى وهو شبه فاقد للوعي. كان هناك شيء يطرق أبواب عقلها بقوة، لكنها لم تستطع تفسيره. مع أول خيوط الفجر، نهضت لتحضر له ماء دافئاً وحساء. وعندما عادت، وجدته مستيقظاً ينظر حوله بقلق كأنه يبحث عن مخرج، وعيناه تتجنبان النظر إليها.
سألت: “ما اسمك؟”
صمت طويل، ثم قال: “اسمي… سامر”. اسم ضرب قلبها كالصاعقة. اتسعت عيناها، يداها ارتجفتا.
شعرت كأن الأرض اختفت تحت قدميها. ذلك الاسم كان محفوراً في ذاكرتها. الرجل الذي فقدته قبل خمس سنوات كان اسمه سامر. الرجل الذي اختفى بلا أثر، الذي بحثت عنه في كل مكان، الذي عاش في قلبها رغم الغياب.
حاولت تثبيت صوتها: “سامر… مجرد صدفة؟ أم… ؟”
التفت إليها، نظرة حادة مرت على عينيه شيء يشبه الذهول والندم، لكنه أخفى ذلك بسرعة: “مجرد اسم… لا تعرفينني”.
لكن قلبها لم يصدق. اقتربت منه ببطء، نظرت في عينيه من مسافة قريبة جداً، شعرت بنبض قلبه يتسارع. همست: “مستحيل… مستحيل أن يكون مجرد تشابه.
أنت تشبهه كثيراً”. حاول أن يصرف النظر لكنه فشل. أصابعه قبضت على الغطاء بقوة كأنه يقاوم شيئاً. قالت بصوت خافت متقطع: “هل أنت سامر…
الذي اختفى قبل خمس سنوات؟”
لم يجب. لكن الصمت كان أشد وقعاً من الكلام. وجهه يحمل صراعاً داخلياً، خوفاً، ألماً، سراً قاتلاً. ثم قال أخيراً: “لو كنت هو…
هل كنت ستسامحينه؟”
ارتعشت الكلمات في الهواء. بدت وكأنها خرجت من روح مثقلة بجرح دقيق. ارتفع صوت قلبها قبل صوتها وهي تقول: “سأفعل أي شيء لأعرف الحقيقة”. لكن في تلك اللحظة، سمعت صوتاً في الخارج.
خطوات تقترب. نظرة رعب ملأت وجه سامر، قال بصوت متوتر: “لقد وجدوني”. قبل أن تستوعب، كان يحاول الوقوف رغم جراحه، الخوف يشتعل في عينيه. اقتربت من النافذة، فرأت سيارة سوداء تقف بعيداً، رجالاً ينزلون منها بملابس داكنة ونظرات تبحث عن أثر.
شعرت أن حياتها الهادئة انهارت في لحظة. أسرار، مطاردة، رجل من الماضي يعود مجروحاً، قلوب تتقاطع على الحافة، والقدر يفتح باباً لم تكن تتوقعه. نظرت إليه وقالت بصرامة: “لن أسمح لهم بأخذك قبل أن أعرف الحقيقة… مهما كان الأمر”.
حدق بها بدهشة كأنه لا يصدق أن هناك من ما زال مستعداً لحمايته. ثم همس: “لا تعرفين فيم تورطت. الاقتراب مني يعني الخطر”. لكنها ردت بثبات: “الخطر الحاضر أهون من الألم القديم الذي قتلني كل ليلة.
هذه الفرصة لن أضيعها”. في تلك اللحظة شعر أنه ليس وحده، للمرة الأولى منذ خمس سنوات. لكن الأبواب طرقت بقوة. صوت رجل في الخارج يصرخ: “نحن نعلم أنه هنا…
افتح الباب وإلا… “. نظرة خوف ورجاء تبادلت بينهما. بدأت القصة التي لن تعود بعدها الحياة كما كانت أبداً.
الطرق على الباب يزداد قوة، صوت الرجال في الخارج يعلو أكثر فأكثر. شعرت مريم لأول مرة أن قلبها يقفز في صدرها ليس من الشوق ولا من الحنين، بل من دقات الخطر الحقيقي. التفتت نحو سامر فوجدته يضغط على كتفه المصاب وكاد يفقد توازنه لكنه أصر على الوقوف. اقتربت منه بسرعة لتدعمه لكنه أبعد يدها بلطف: “لا تقتربي…
إذا أمسكوا بي سيفعلون بك ما لا تتصورين”. نظرت إليه بعينين دامعتين لكنهما ثابتتان: “لن أسمح لأحد أن يؤذيني أو يؤذيك. أنت لم تعد وحدك”. كان ذلك الوعد أكبر من الكلمات.
كأنه أعاد إليه نبض حياة كان يفتقدها. ارتفعت الأصوات خارج المنزل، وبدأ أحدهم يحاول كسر الباب. لم يعد هناك وقت. أمسكت مريم يد سامر وساعدته على المشي نحو الباب الخلفي.
كان يتألم في كل خطوة، لكن عينيه لم تتركها، كأنه يستمد قوته منها. فتحت الباب في صمت، خرج إلى الحديقة الخلفية وسط الظلام الخفيف وبقايا المطر. صوت الباب الأمامي انكسر خلفهما. رجال مسلحون دخلوا المنزل، وبدأت خطواتهم تدوي في الداخل، همساتهم الحادة تدور بحثاً عن هدف.
سارت مريم وسامر بصعوبة نحو الغابة المحيطة بالبيت. الأشجار كثيفة والرطوبة تلف المكان، سحب بيضاء منخفضة تعانق الأرض. كأن الطبيعة قررت أن تخفيهما بغطاء ضبابي رحيم. لكنها لم تكن تعلم إلى أين المسير، ولا كم يملكان من وقت.
سامر كان يتعرق بشدة، كل خطوة كانت صراعاً مع الألم، لكن الخوف في عينيه كان أشد من الجرح. كأنه هارب من شيء أكبر من رجال مسلحين… ربما من ماضٍ مطارد لا يريد أن يدفن. وقفت مريم فجأة: “يجب أن تخبرني الآن…
من هؤلاء؟ وماذا فعلت؟ ولماذا اختفيت عني خمس سنوات؟”
كان صوتها قوياً رغم الخوف. وقت الأسئلة قد حان، مهما كان الثمن. توقف سامر، تنفس بعمق كأنه يستعد للاعتراف بأثقل سر يحمله قلب إنسان. قال بصوت متعب: “اختفيت لأحميك يا مريم…
ليس لأنني أردت الرحيل”. ارتجفت عيناها. كلمات لطالما تمنت أن تسمعها. أكمل بصوت غارق في الألم: “كنت أعمل مع جهاز أمني سري.
اكتشفت ملفاً خطيراً يتعلق بعصابة كبيرة لها نفوذ. جمعت أدلة ضدهم، لكنهم كشفوا أمري. فاختفيت حتى لا يستخدموك ضدي… حتى لا يؤذوك”.
وضعت يدها على فمها من الصدمة. الألم والحنين والغضب اختلطوا داخلها. هتفت: “فتركتني أموت كل يوم؟ تركتني بلا جواب؟ اعتقدت أنك خنتني… أنك رحلت بلا سبب”.
اقترب منها رغم ضعفه، ومسح دمعة نزلت على خدها: “كنت أراقبك من بعيد. كنت أمانيّ الوحيد. لو عدت لقتلوك وقتلوني معك”. قبل أن تتمكن من الرد، صرخ أحد الرجال في الخلف: “وجدنا آثاراً…
هربوا إلى الغابة”. ارتجفت الأرض تحت وقع خطوات المطاردة. أمسكت مريم يد سامر مجدداً: “دعنا نكمل. لن ندعهم يأخذونك”.
شعرت بقوته تنخفض أكثر، كأنه على وشك الانهيار، لكنها لم تتراجع. ساروا بين الأشجار، أقدامهما تغوصان في الطين، الهواء البارد يلسع وجوههما. حتى وصلوا إلى كوخ خشبي صغير. قال سامر بصوت متقطع: “كان ملجأي أيام التدريب…
فيه نفق خلفي قد ينقذنا”. دخلا مسرعين، الغرفة شبه مظلمة، رائحة الخشب الرطب تملأ المكان. كل شيء صامت إلا أنفاسهما الثقيلة. بحث سامر تحت أحد الألواح، فتح باباً أرضياً صغيراً.
ساعدته مريم على النزول وهي ترتجف. قبل أن تغلق الباب الأرضي، همس لها: “إذا حدث لي شيء… اعلمي أنكِ كنتِ الروح التي أبقاني حياً”. لم تملك أن ترد.
تجمد الكلام في حلقها. أغلقت الباب وتوارت تحت الأرض وسط ممر ضيق، الهواء كان خنقاً، الأنفاس ملتصقة بالجدران. فوقهما دخل الرجال الكوخ وفتشوا المكان بوحشية. سمعت أصواتهم حتى شعرت أن قلبها قد ينفجر.
مرت دقائق طويلة كأنها سنوات. حتى غادر الرجال الكوخ مؤقتاً. هربا عبر النفق الذي قادهما إلى خارج الغابة باتجاه نهر قريب. السماء كانت تضيء ببطء مع اقتراب شروق جديد، أصوات الطيور تتعالى، والعالم ينهض بينما هما يهربان نحو قدر مجهول.
جلس سامر قرب النهر منهكاً، جسده يكاد لا يحتمل الألم. نظرت إليه مريم بعينين كثيرتين: “سأذهب لأحضر سيارة… سأساعدك على الهرب. لن أتركك هذه المرة”.
لكنه أمسك يدها بقوة، آخر ما تبقى لديه من طاقة: “لا يا مريم… انتهى الهروب. يجب أن ينتهي هذا اليوم”. أخرج من جيبه شريحة ذاكرة صغيرة، مدها إليها: “هنا الدليل الذي يمكن أن يسقطهم.
احفظيه. إن بقيت حياً أو مت… إياك أن تسقطي هذا الحق”. ارتجفت وهي تحمل قطعة من قلبه بين يديها.
تابع بصوت منهك: “كنت أحلم بالعودة إليك كل ليلة… لكنني لم أكن أملك شيئاً أعود به سوى الخطر. اليوم على الأقل أعود ومعي الحقيقة”. وفجأة سمع صوت محرك سيارة، ثم خطوات تقترب عبر الأشجار.
رجال العصابة وصلوا إليهم. لكن خلفهم مباشرة ظهرت سيارات شرطة، الضوء الأزرق ينعكس على الماء، أصوات الأوامر تصدح. معركة قصيرة اندلعت. تبادلوا إطلاق نار.
رجال يسقطون، آخرون يستسلمون. ومريم تجثو بجانب سامر تحت شجرة، تحميه بذراعيها وإن كان ذلك لا يغير شيئاً. أحد رجال الأمن ركض نحوهم، عرف سامر ورفع صوته: “انتهى الأمر يا سامر… لقد عدت أخيراً”.
بدا الارتياح على وجه سامر، لكنه كان شاحباً جداً. الدم بدأ يتسلسل من ضماداته. نظر إلى مريم بعينين تلمعان بحب لم يضعفه الزمن، وقال بصوت يكاد يكون همساً: “خمسة أعوام من الجحيم… لكن رؤيتك كانت الجنة”.
دموعها انهمرت وهي تمسك يده بقوة، تخشى أن تفتح أو يرحل ثانية: “لن أسمح لك بالذهاب… ليس بعد كل هذا. ستعيش، وسنبدأ من جديد”. ابتسم ابتسامة منهكة لكنها حقيقية: “إذا كتب لنا القدر…
سأمضي عمري كله أعتذر… وأحبك”. ثم أغمي عليه. الأطباء الذين رافقوا الشرطة أسرعوا إليه، حملوه إلى سيارة الإسعاف.
بقيت مريم ممسكة بيده حتى آخر لحظة قبل إغلاق الباب. عيونها لا تفارقه، قلبها يدعو ويصرخ ويرجو. في المستشفى، جلست في الممر، يداها متشابكتان، رأسها منحني، والذكريات تختلط بالدعاء. حتى خرج الطبيب أخيراً وقال بابتسامة مطمئنة: “حالته خطيرة لكنها مستقرة…
لقد نجاه الله”. عندها انهارت مريم بالبكاء. دموع فرح هذه المرة. دموع انتصار على الألم والزمان والخوف.
دموع امرأة قاتلت من أجل قلبها ولم تستسلم. بعد أيام، في غرفة بها نافذة تطل على الشمس، فتح سامر عينيه. وجدها تجلس بجانبه. ابتسمت، اقتربت منه، وضعت يدها على يده: “عدت أخيراً…
عدت”. رد بصوت خافت: “لم أعد لأهرب… بل لأعيش”. نظرت إليه: “لن يفرقنا شيء بعد الآن…
لا خوف ولا سر”. أمسك يدها، كأنها الرابط بين حياته وبين النجاة. ثم همس: “خمس سنوات من الغياب… تنتهي اليوم ببدء جديد”.
ابتسمت والدماء تلمع في عينيها: “وهذه المرة… لن أترك يدك أبداً”.


